الشنقيطي
206
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ابن عامر والكسائي « فيكون » بفتح النون منصوبا بالعطف على قوله : أن نقول . وقيل : منصوب بأن المضمرة بعد الفاء في جواب الأمر . وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أيّ فهو يكون . ولقد أجاد من قال : إذا ما أراد اللّه أمراً فإنما * يقول له كن قولة فيكون واللام في قوله : « لشيء » وقوله : « له » للتبليغ . قاله أبو حيان . قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [ 43 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لم يرسل قبله صلى اللّه عليه وسلم من الرسل إلا رجالا ، أيّ لا ملائكة . وذلك أن الكفار استغربوا جدا بعث اللّه رسلا من البشر ، وقالوا : اللّه أعظم من أن يرسل بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؛ فلو كان مرسلا أحدا حقا لأرسل ملائكة كما بينه تعالى في آيات كثيرة ، كقوله : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [ يونس : 2 ] ، وقوله : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ ق : 2 ] الآية ، وقوله : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] ، وقوله : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) [ الإسراء : 94 ] ، وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [ التغابن : 6 ] الآية ، وقوله أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [ القمر : 24 ] الآية ، وقوله : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) [ المؤمنون : 24 ] ، وقوله : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) [ المؤمنون : 33 - 34 ] ، وقوله : قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا [ إبراهيم : 10 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد بين اللّه جل وعلا في آيات كثيرة : أن اللّه ما أرسل لبني آدم إلا رسلا من البشر ، وهم رجال يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، ويتزوجون ، ونحو ذلك من صفات البشر ؛ كقوله هنا : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) [ النحل : 43 ] وقوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [ يوسف : 109 ] ، وقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] ، وقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) [ الأنبياء : 8 ] ، وقوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [ الرعد : 38 ] ، وقوله : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 9 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .